هل قتل نصف العالم يجعل حياة الباقين أفضل

See my work
  • Aljazeera

  • 12 Nov

في الجزء الجديد من مجموعة أفلام مارفل، والذي يحمل عنوان "The Avengers: Infinity War"، يبدأ ثانوس، الشرير الأقوى والأذكى على الإطلاق، حملة خاصة لجمع الأحجار اللانهائية، تلك التي يتحكم كل منها في أحد جوانب الكون (الواقع، الزمن، الفضاء، القوة، العقل، والروح). ما إن يجمع تلك الأحجار معًا حتّى يمتلك قوى مهولة تسمح له بالتحكم في كل شيء، هنا ينوي ثانوس أن يستخدمها لتنفيذ الخطة الأكثر كارثية في التاريخ الكوني منذ بدء الانفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة، وهي إبادة نصف الحياة في الكون كله، وترك النصف الآخر ليعيش في سلام! تلك، بالطبع، فكرة غاية في الجنون، لكن في الحقيقة ليست فكرة ثانوس جديدة، ففي العام 1789 تحدث توماس مالتوث الباحث السكاني والاقتصادي السياسي الإنجليزي عن هذه الفكرة في كتابه الشهير "مقالة في مبدأ السكان، وأثرها على تقدم المجتمع". فكرة مالتوث وثانوس تبدو بسيطة ومقبولة للوهلة الأولى؛ ذلك أن تطور النمو السكاني يتخذ طابعاً تزايدياً، كأن نقول: إن سلسلة نمو السكان كل 25 سنة تتخذ النمط: 1، ثم 2، 4، 8، 16، 32، 64 ... الخ، وهذا بسبب ارتفاع معدلات الإنجاب، فكل أب وأم يحصلون على عدد أطفال أكبر منهما، أما الطبيعة فلن تنمو بهذا المعدل، بل بمعدل تدريجي منتظم، كأن تتوالى سلسلة الموارد الطبيعية: 1، 2، 3، 4، 5، 6.. إلخ، في نفس المدة الزمنية. كما تلاحظ فإن هناك فارقًا في ارتفاع المعدلَين، لكن ربما تتفاجئ حينما تعرف مقدار الفارق في الدورة رقم 30، حيث يصل معدل نمو موارد الأرض إلى 30 فقط، لأنها تزيد بانتظام، لكن دورة النمو السكاني في نفس المرحلة ستصبح 2 مليار! لهذا السبب فزع مالتوث، وتصور أننا لا محالة مقبلين على نهاية العالم، غير أن في الفترة التي عاش مالتوث فيها كان عدد البشر حوالي بليون شخص فقط. دعنا في تلك النقطة نوضح أن فكرة مالتوث كانت أكثر عمقاً، بمعنى أنه لم يتحدث في أن يظل كلٌ من المعدلَين يرتفع بشكل مطلق، لكن الفكرة هي أن يرتفع عدد السكان ليتأرجح عند الحد الفاصل بين المجاعة واللامجاعة، وهي الحالة الرسمية والدائمة للمجتمع البشري، فمع كل زيادة في كم الموارد الطبيعية سوف يستمر البشر في التكاثر، بالتالي يظل الجميع على الحافة بشكل مستمر، لكن مشكلة تلك الحافة هي أنها معرضة دائماً للخطر، فمع أي وباء، أو اختلال مناخي، أو ضغط سياسي أو اجتماعي فإن هناك فرصة كارثية لانتشار المجاعات، هكذا تصور مالتوث أن البشر سيعيشون أبدًا في (دورة للبؤس). لكن من ضمن الأخطاء التي وقع فيه ثانوس، حينما قال: أنه الوحيد الذي امتلك الرغبة في العمل على خطة مجنونة للحد من أعداد البشر. فمثلًا بين العامين 1846 و1851 كانت إيرلندا تخضع للاستعمار البريطاني، في هذه الفترة واجهت إيرلندا مجاعتها الكبرى "البطاطس". كان السبب هو فطر خطير "اللفحة المتأخرة" تفشّت الإصابة في محاصيل البطاطس، والتي كانت الغذاء الرئيس للشعب الايرلندي. خلال تلك المجاعة مات مليون شخص، وهاجر مليون آخر، وفقدت البلاد ربع سكّانها في المجمل، إنها واحدة من أسوأ الكوارث في التاريخ. فقبيل سنوات المجاعة تزايدت أعداد الايرلنديين بشكل ملحوظ، ما دعا بعض المفكرين البريطانيين لتصور اقتراب أزمة مالتوثية، السلوك السياسي البريطاني تجاه الأزمة يمكن فهمه في اقتباسات "تشارلز تريفيليان"، والذي قال وقتها: "قضاء الله هو ما أرسل الكارثة لتعليم الايرلنديين درساً، لذلك لا يجب أن تكون الكارثة مُخففة". ويقصد تشارلز هنا أن الايرلنديين الجهلاء، هؤلاء الذين يعيشون كالوحوش هم الشر الحقيقي وليست المجاعة التي تسرق أطفالهم بشكل يومي!. أما في العصر الحديث فقد ظهرت الفكرة المالتوثية في أواخر الستينيات من القرن العشرين، حيث انتشرت الكتابات التي تتنبأ بكارثة سكّانية قريبة، على قمة هذا الجبل تربع كتاب "القنبلة السكّانية للبيولوجي بول ايرلش. يقول إيرلش في كتابه: "المعركة من أجل تغذية كل هؤلاء البشر قد انتهت، في السبعينيات سيجوع مئات الملايين من البشر حتّى الموت على الرغم من أية برامج تنموية". والمشكلة وقتها أن الجميع تصوّر أننا بالفعل في أزمة سكّانية، لذلك كانت اقتراحات ايرلش بسيطة لكنها صارمة، تضمنت الإجبار القانوني إذا لم ينصَع المواطنون لسياسات تقليل عدد السكّان، وعقاب أي من الهيئات أو الشركات أو الأفراد المروجة ضد وسائل تقليص عدد السكان أو رفع عدد الأطفال في العائلة الواحدة، مع إعطاء جوائز مالية لحالات الزواج التي قررت ألا تنجب، وفرض ضرائب على تلك الأخرى التي أنجبت أعداد أكبر مما يحددها القانون، وصل الأمر لمقترحات بوضع مواد كيميائية في المياه تقلل من خصوبة الأفراد! حسنًا، لنستنشق بعض الأنفاس الهادئة، ثم نقوم بقفزة زمنية إلى العالم المعاصر، ها نحن في العام 2018، مع 7.6 مليار شخص على سطح الكوكب، لم يكن مالتوث أو ايرلش أن يتصوروا أن نصل إلى هذا الحد، تزايدت أعداد السكان وتخطت كل التوقعات، ولم نقع أسرى للجوع، بل على العكس تمامًا، نحن نقوم بتوزيع الطعام على الفقراء في الأعياد، وأصبح المرض المميز لعالمنا المعاصر هو "السمنة"!، عدد الجوعى اليوم هو 800 مليون شخص، إنه رقم ضخم، لكنه الأقل في تاريخنا بالنسبة لعدد السكّان، في تلك النقطة ربما قد تتساءل عن السبب في ذلك، ما الخطأ الذي وقع فيه كل من مالتوث وايرلش؟ بسبب هذا الرجل: "نورمان بورلوج المهندس الزراعي والبروفيسير الأمريكي والحاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 1970، بورلوج هو أبو الثورة الخضراء الذي تمكن بذكاء شديد في ستينيات القرن العشرين من تحقيق اكتشاف خطير يقول: إن إنتاج نوعيات من القمح بساق أقصر سوف يوفر الطاقة التي تُستغل في إنتاج سنابل أكبر، استطاع بورلوج إنتاج أنواع من القمح تتمكن في أكثر الحالات المناخية قسوة، من أن تعطي أربعة مرات ضعف الإنتاج المعتاد. نورمان بورلوج هو نموذج للفكرة التي لم يدركها كل من ثانوس، أو مالتوث، أو ايرليش، وهي أن طبيعة الاقتصاد ليست لعبة صفرية النتيجة تقول: إنه إذا كان هناك ناجح بخمس نقاط إضافية فلابد أن يكون هناك خاسر لخمس نقاط، فتكون النتيجة دائمًا صفر. فعلى الرغم من أن الموارد قد تكون محدودة، إلا أن حدها الرئيس ليس في كميتها بقدر ما هو في قدرتنا -نحن البشر- على الإبداع في استخدامها، قدرتنا على الاختراع، ابتكار أفكار جديدة للتعامل مع مواردنا تفتح الباب للمزيد من التقدم والرخاء للبشر، كلما ازداد تعمّقنا بالعلوم والتكنولوجيا، وكلما ازداد تواصلنا معًا، أصبحنا أكثر إنتاجًا لأفكار جديدة ثورية، كابتكار بورلوج. كل شخص إضافي في هذا العالم، إذن، ليس فقط وِحدة صمّاء ذات فم يحتاج للطعام والشراب، لكنها أيضًا عقل يمكن أن يفكر. من جهة أخرى فإن مالتوث تصور أن أعداد السكان سوف تزيد كلما ازدادت الموارد، لكننا لا نرى ذلك واضحًا في الدول المتقدمة، بالعكس تمامًا، كلما ازداد تقدم الدولة وارتفعت مستويات معيشة ساكنيها انخفضت المعدلات الإنجابية بها، في الحقيقة فإن أعداد السكان في العالم، بعيدًا عن خط سير نمو الموارد الطبيعية، يتخذ توجهًا للثبات، بداية من منتصف القرن الفائت بدأت معدلات ازدياد السكان في التناقص من 2% تقريبًا سنويًا وصولًا إلى 1.09% سنويًا للعام 2018، نتوقع أنه بحلول العام 2050 سوف نصل إلى مرحلة الثبات، عندها سيصل عدد السكان إلى حوالي 10 مليار شخص ويتصور البعض أنه لن يصل إلى 12 مليار أبدًا (إلا ربما لو قررنا الذهاب لاحتلال المريخ). تشير الملاحظة الهامة الأخيرة إلى أن حل مشكلة الزيادة السكانية ربما ليس بإجبار الناس على إنجاب عدد أقل من الأطفال، لقد أظهرت سياسات التعقيم الإجباري عدم جدوى هذه التجربة، لكن الحل الرئيس كما يبدو -بحد تعبير مايكل شريمر- هو رفع الفقر من خلال التأسيس لحكم ديمقراطي، وتجارة حرة، وتأمين الوصول إلى وسائل منع حمل آمنة، وتعليم المرأة وتمكينها اقتصاديًا، هؤلاء الذين يروّجون للفكرة القاتلة القائمة على أن "الناس هم السبب" كانوا دائمًا مخطئين في تصوراتهم، أو ربما قرروا فقط اختيار أساليب تعامل تثبّت وجود الاستبداد أينما حل عبر إلقاء التهمة على الشعوب. إن ما نعرفه، وتؤكده البيانات الاقتصادية، هو أنه حينما جاءت الثورة الخضراء كانت الدول الأكثر نموًا هي الأكثر فقرًا والأكثر اكتظاظًا بالسكّان.

Read Also

المِلْح .. قديماً

تينهينان ملكة قبائل الطوارق

أغرب 10 وجبات أخيرة قبل الاعدام

الصين وأمريكا..الحرب التجارية من يحسمها؟

"في النهاية يأتي الموت" أغاثا كريستي في مصر

Contact Us