• qssas

  • 2 May

ها هي أثينا ترسف في أغلال الوثنية، الرجال متجمهرة، الجلبة تملئ شوارع المدينة الكل منتظر، والجماهير الغاضبة تهتف بإعدام سقراط. سقراط الفيلسوف اليوناني أحد أعظم الرجال في عصره، الذي اتخذ من الفلسفة عملًا غير مأجور يوعي به الناس ويرشدهم إلى طريق الصواب، فأخذ يصول ويجول من المناقشات الفكرية والحديث عن الأمور الوجودية والاجتماعية، وأنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وهذا ما لم يعجب السفسطائيين والكثيرين من أهل أثينا الغارقة في الضلال، لذا قرروا التخلص منه. تتلمذ على يده أهم الفلاسفة، وعلى رأسهم أفلاطون الذي نقل لنا الكثير عن حياة المعلم الأول سقراط. ولد سقراط عام469 ق.م في أسرة تعمل بالنحت، ولكن سقراط لم يهوى الاشتغال بشيء سوى المحاورات والتفكير وتلقي العلم ونشره. وعلى الرغم من جمال روحه وسمو فكره لم يكن في وجهه جمال فكان أفطس الأنف أجحظ العين ذو وجه ممتلئ بثياب رثة، وكان سقراط يدور في شوارع أثينا يتحدث مع المارة والشيبة في أمور الحياة، وكان غير سعيد في حياته الزوجية، فحينما كان يسأله أحدهم عن رأيه في الزواج، كان ينصحه قائلًا: تزوج فإن كانت امرأتك صالحة أسعدتك وإن كانت غير ذلك علمتك الفلسفة. محاكمة سقراط .. تبدأ أحداث المحاكمة في عام 399 ق.م لرجل في السبعين من عمره أجحظ العينين رث الثياب يرتدي معطفًا لا أزار له ويقف حافيًا، جلمود كصخر لا يعبأ بكل هذا الصخب الذي يحيط به وفي الشارع الأثيني يتراص أمامه خمسمائة قاضٍ يبتون في أمره بعد سماع الإدعاء، ولم يكن في نظام المحاكمات وقتها ما يعرف بالإدعاء العام بل كان صاحب الدعوة هو من يلقي بالاتهام. فوقف ميلتوس يتحدث عن مفاسد سقراط في المجتمع الأثيني وتبعه في ذلك مدعيان أخران هما ليكون وأنتيوس، ومبرر أنتيوس في ذلك أنه كان له ابنًا من تلامذة سقراط، تأثر بفكره وانشغل عن صنعة أبيه الذي كان يعمل بتجارة الجلود، هذا إضافة إلى أن سقرط تهكم عليه في مرة وبين جهله من خلال مناقشة أمام الناس. واتُخذ على سقراط أيضا أن كريتياس، المستبد الدموي والعميل لإسبارطة الذي تخلص منه الأثينيون فيما بعد، كان في فترة من فترات حياته بين تلامذة سقراط، فلم يكن سقراط يفرق بين راغبين العلم على أساس أرائهم السياسية والفلسفية، فكان منفتحًا على الجميع دون النظر لتوجهاتهم . بدأ الأثينيون يشعرون بعلو قدر سقراط، وبدا لهم شخصاً مزعجاً، ليس للسلطات فحسب بل للآباء الذين رأوه أن أبنائهم يخرجون عن طاعتهم ويلحقون بالمعلم، لذا طالبوا بإعدام سقراط والتخلص منه. وبعد انتهاء المدعين الثلاثة من كلامهم، جاء دور المتهم وكان المتبع في تلك المحاكمات حينها أن يتولى المتهم أمر الدفاع عن نفسه، وإن كان غير قادر على ذلك فان محترفاً يقوم بتلقينه ماذا يقول، ويجب أن يستغرق نفس الوقت الذي استغرقه الادعاء لا أكثر. بدأ الدفاع برد سقراط على التهم الموجهة إليه وتفنيدها بأسلوب فلسفي، ومن ثم رفضها ثم بالانتقال للهجوم على من يدعون العلم وهم جهلة لا يفقهون شيئًا، وأوضح أنه أعلم الناس لأنه يعرف أنه لا يعرف. أما هم فيعتقدون أنهم يعرفون شيئًا وهم في الواقع لا يعرفون أي شيء، وأنهى كلامه بتحذير القضاة من الحكم عليه بالموت لأنهم سيفقدن رجلًا مثله، ولن يجدوا خيرًا منه، وسيغرقهم الإله والاثنين في سبات أبدي. أما إذا أعملوا فكرهم وضمائرهم ولم يحكموا عليه سيعود لنشر فكره وعلمه في كل أنحاء أثينا، ومن عظمة سقراط في ذلك الموقف أنه لم يستدر عطف القضاة كما يفعل عادة المتهمون الماثلون أمام المحكمة، فقد قال ما قال وجلس دون أي انفعال. أما القضاة فبدئوا بإصدار أحكامهم ونزل كل منهم ليضع حكمه في الصندوق أسفل المدرج الذي يجلسون عليه، ويعد هذا اقتراع أولي لتجريم المتهم أو عدم تجريمه، وقد جاءت نتيجة الاقتراع بتجريم سقراط بفارق بسيط في الأصوات. ووفقًا للقانون الأثيني يعين المتهم لنفسه في هذه الحالة العقوبة التي يراها مناسبة، فبدلًا من أن يفدي سقراط نفسه ويطلب إعفاءه من الحكم، أعلن أنه يسره أن تتعهده البريتانينة، وهي مؤسسة أثينية تابعة للدولة تتعهد العظماء، وتعمل على تأمين معيشتهم بشكل لائق وكريم. فتعالى الصخب والصياح اعتراضاً على كلام سقراط، ورأت هيئة المحكمة أن في هذا تهكم لها، وقرر القضاة أن يصوتوا بأنفسهم على نوع العقوبة ومستواها، فكانت الإعدام بالسم، مضي شهر على صدور الحكم. وخلال هذا الشهر جاء كريتون أحد تلاميذ سقراط المخلصين، كان شابًا غنيًا عرض عليه أن يقبل الهرب من السجن ريثما يتدبر هو أمر رشوة الحراس، ولكن رفض سقراط الشجاع مقرًا بوجوب احترام العدالة وقوانينها، حتى ولو كانت جائزة، أمضى سقراط انتظاره لتنفيذ العقوبة في هجوء أدهش المتصلين به من حراس ونزلاء. وكان سبب تأخير التنفيذ هو أن حكم الإعدام لم يكن مسموحاً به في الشرائع الدينية الأثينية آنذاك إلا بعد عودة الكهنة من جزيرة ديلوس، وفي اليوم التالي لعودة الكهنة جاء موعد التنفيذ وتجمهر تلاميذة سقراط ووصلت زوجته لتراه لأخر مرة وهي تبكي وتمزق ثيابها، فتأثر سقراط وطلب منها الرحيل. ثم التفت نحو اصدقائه وبدأ يحدثهم ويتناقش معهم في مواضيع مختلفة في الفن والموت والروح دون أي اكتراث بأمر الإعدام ، وبينما هو كذلك إذا بالجلاد يقاطعه قائلًا : لا تتحرك كثيراً يا سقراط ، وإلا يفقد السم مفعوله وللمرة الاولى ينفعل سقراط وهو يقول : لماذا لا تضع كمية مضاعفة ؟ هذه مهنتك !! بعدها عاد سقراط يستكمل الحديث مع تلامذته الذين لم يتمكنوا من إخفاء إعجابهم ودهشتهم من ثبات أساتذهم العزيز الذي استطاع أن ينتصر على مخاوفه، وحينما اقترب موعد تجرع السم، دخل سقراط غرفة مجاورة ليستحم وهو يقول: لا أريد أن أرهق النساء بتنظيف جثة ميت . ولما خرج سقراط اقترب منه الجلاد وفي يده كأس السم وقدمه له قائلًا: سقراط أعرف أنك لن تشتمني كما يفعل غيرك، فأنت عاقل وتستطيع أن تتحمل قدرك، فما كان منه إلا أن قال: فقط أخبرني بما عليّ فعله ؟ فقال الجلاد: لا شيء سوى أن تمشي خطوات قليلة بعد التجرع، وعندما تشعر بثقل في ساقيك استلقي على سريرك والسم سيقوم بدوره، فتناول سقراط الكأس وتجرعه دفعة واحدة بكل هدوء، وهنا لم يتمالك تلامذته مشاعرهم وانفجروا يجهشون بالبكاء، الأمر الذي أغضب معلمهم سقراط، وجعله يستنكر ما يفعلون قائًلا: لقد أمرت زوجتي بالرحيل حتى لا أرى ما مظاهر الضعف هذه. فأنا أريد ان أموت بصمت وفي خشوع فتمالكوا مشاعركم، فتوقف الجميع عن النحيب وصمتوا على الفور، في حين استلقى سقراط كما أشار جلاده، وبعدها بدأ سريان السم ليختفي ذلك الفيلسوف العظيم جسدًا لكن تظل أفكاره حية ظاهرة لمئات القرون، وكان بهذا أول رجل يعدم في التاريخ بسبب معتقداته الفكرية.

Read Also

قصة المثل " تمخض الجبل فولد فأراً "

الأعرج الذي فجر القنبلة الهيدروجينية

ظاهرة الثدي لملوك مصر القديمة "الفراعنة"

كارثة تشرنوبيل

الهنود الحمر أصلهم وسبب تسميتهم

Contact Us